تونس .. ندوة دولية عن التلقي في التراث العربي

ندوة التلقّي في الثقافة العربيّة

يعتزم قسم اللغة العربيّة وآدابها بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس (الجمهورية التونسيّة) تنظيم ندوة علميّة دوليّة أيّام 10-11-12 مارس 2016 تحت عنوان “التلقّي في الثقافة العربيّة”.

اﻹشكالية:

لئن أحال التلقّي في عنوان الندوة على مساهمة هانس روبار ياوس (Hans Robert Jauss) الذي حوّل الاهتمام من زوج المؤلّف- النصّ إلى زوج آخر هو النص-القارئ، وعلى مدرسة كونستانس (Constance) التي كان أيزر (Wolfgang Iser) من أبرز أعلامها، فإنّنا نوسّع دائرة هذا المفهوم ليشمل أيضا اقتراض ثقافة من أخرى. وهذا شأن الثقافة العربيّة التي نشأت نشأة تبدو ذاتيّة، فكانت تغتذي بعناصر أصيلة مكوّنة لها، وكانت العلوم الأصيلة فيها مستجيبة لحاجات الجماعة. إلاّ أنّ ما تولّد من توسّع هذه الثقافة بفعل الفتوحات وبحركة الانفتاح على الجوارات الثقافيّة، وبالإفادة من ثقافة الإغريق والرومان والفرس والهند.. حتّم عليها الاقتراض الثقافي والتلقّي المعرفي فكانت هجرة المنطق الأرسطي إلى علم النحو وعلم الكلام، وكانت هجرة الفلسفة إلى مجال العقيدة والاستدلال على ما عدّ اتّصالاً بين الحكمة والشريعة. وأمّا الترجمة فكانت السبيل إلى التلقّي، كانت تنقُل علوما وآدابا لم تكن أصيلة في “الملّة”، وكانت نتائجها ممّا اغتنت به ثقافة المسلمين وساهمت في دفع النشاط المعرفيّ الكونيّ. ولئن تراجع التلقّي العلميّ والمعرفيّ في أزمنة عُدّت عصورَ انحطاط، وشهدت فيها الثقافة العربيّة انكماشًا وتراجعًا، فإنّ هذا التلقّي صار حركة دائبة ونشاطًا لا ينقطع مَدُّهُ منذ البعثات العسكريّة والعلميّة التي عرفها عصر النهضة، ومنذ المواجهة المباشرة التي فرضتها الحركات الاستعماريّة.

إنّ الثورة العلميّة والتكنولوجيّة الحديثة والمعاصرة قد سرّعت في نسق التلقّي الذي صار نسقًا جامعًا يشمل علوم اللسان وعلوم الاتّصال ومباحث الفكر والتاريخ وشؤون الفلسفة وقضايا الإنسان. لقد أدّى نشاط التلقّي الذي تسارعت وتيرته إلى تطوير المباحث اللغويّة والبلاغيّة، وإلى تعميق النظر في القضايا الفكريّة والحضاريّة، وإلى الدفع بالحركة الأدبيّة والنقديّة إلى آفاق ما كان ارتيادها متاحًا من قبل. وأكّد الانفتاح مثلا على الدراسات الاستشراقيّة وعلى النّقد الثقافي وعلى المناهج النقديّة المستحدثة لدى الغربيّين جدوى التلقّي وفاعليّته. إلاّ أنّ هذا التلقّي لم يكن دوما سالمًا من الخلط والزلل ولا بمنأى عن التحريف والالتباس بسبب الاستسهال في الأخذ، والتسرّع في النقل. فالتعثّر في اقتراح الترجمات المناسبة للمفاهيم والتصوّرات، والغفلة عن القواعد والأسس التي قامت عليها المعارف المستجلبة إلى الثقافة العربيّة المعاصرة، ممّا يجعل التلقّي محفوفًا بالخطر، ويستدعي التنبّه إلى ما يقتضيه هذا الفعل العلمي والمعرفي من شروط ومستلزمات. ومن ثمّ يكون التساؤل عن طبيعة التلقّي ونوعيّة المتلقّي أمرا مشروعا ومنطقيّا. فعن أيّ متلقّ نتحدّث؟ وهل يوجد متلقّ مثال مطلق؟ وكيف يساهم المتلقي في تأصيل القيمة وتحديدها؟ وكيف يتحوّل هذا التلقي شريكا في صناعة المعاني وتوليدها وإبداع أشكال التعبير عنها؟ وهل كلّ متلقّ تابع خاضع مقلّد مفعول به بالضرورة؟ أم هو علامة على انفتاح الخطاب وقابليّته للتجدّد والحياة؟ أم هو المتحكّم حقيقة في إنشاء الخطاب وتشكيله وتحديد وجهته؟ فمنشئ خطاب ما يتمثّل بالضرورة مخاطبيه عن قصد أو عن غير قصد، وحتّى إن حاول التمرّد عليهم أو العدول عن سنن في الكلام متواضع عليها أو التحرّر من قيود يراها جثمت على الصدور بفعل اختيارات وتراكمات تاريخيّة، فإنّه سيجد نفسه منخرطا بالضرورة في سياق رمزي وقيميّ استبطنه وتفاعل معه سلبا أو إيجابا استوجبه فعل التلقي ذاته. لأنّ كلّ ثقافة تصنع أفق تلقّيها عبر منظومة رمزيّة وقيميّة تحمي بها ذاتها وتحكم تفاعلها مع الجديد والوافد، ولذا نجد ثنائية القبول والرفض حاضرة باستمرار، فما ينسجم مع هذا الأفق يقبل ويدعم، وما لا ينسجم يطرح ويرفض أو يحترز منه. بيد أنّ حركيّة هذا الأفق تترك مجالا خصبا لتحويل المرفوض إلى مقبول. وما يصطدم اليوم بصلابة فعل التلقّي يمكن أن يكون هو في ذاته لبنة من لبنات تشكّل أفق تلقٍّ جديد يقطع مع سابق ويمهّد للاحق. وما يلفظ اليوم أو يهمّش قد يصبح غدا هو أصل القيمة ومصدرها ومعيارها. وقد أفصح التلقّي في الثقافة العربيّة عن استعدادها لتكون فاعلة بنّاءة مشاركة في تطوير الفكر ومنتجاته، إذ تحرّكت فيها نزعات نحو ضروب من التلقي إحيائيّة وإقصائيّة وتأصيليّة وأخرى تأسيسيّة وإبداعيّة أو خلاّقة. وفي هذا السياق تقترح لجنة الندوة على الزملاء الباحثين تقديم مشاريع ورقاتهم تحت عنوان من عناوين المحاور الكبرى التالية:

محاور الندوة:

في تلقّي المعارف اللسانيّة.

في تلقّي الأدب ونظريّات نقده.

في تلقّي الفكر وقضايا الإنسان.

الترجمة تلقّيًا.